محمد أبو زهرة
1381
زهرة التفاسير
زوالها ، وهي على ذلك أخص من البغض المطلق ، إذ هي بغض مقيد ، وهي تظهر من عباراتهم وكلماتهم ، كما قال تعالى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ . . . ( 30 ) [ محمد ] . وليس معنى ذلك أن البغضاء لا تبدو إلا في الأقوال ، بل تظهر أيضا في الأفعال ، ولكن عند الفحص الدقيق ، والوزن الصحيح ، وإن ما يظهر على اللسان هو طفح مما امتلأ به القلب ، فهي فيض الإناء وما يسيح منه ، وما في الإناء أكثر وأغزر ، وهو المادة الوفيرة التي كان منها طفح الكيل ، ولذلك قال تعالى : وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ أي ما يطوون في صدورهم وتنطوى عليه نفوسهم أكثر مما يظهر ، إذ إن ما يظهر هو الجزء الذي انبثق من الوكاء ، أو هو في الحقيقة الرشح الذي ظهر من المسام التي تخفى ما وراءها . وهذا الوصف هو في الحقيقة توبيخ لأولئك الذين يأتمنونهم ، وحالهم في البغضاء ظاهرة مكشوفة ، غير مخفية ولا مستورة . قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ختم اللّه تعالى هذه الأحوال بهذا النص الكريم ، ليدعوهم إلى التفكير فيما هم مقبلون عليه ، وليدعوهم إلى الحذر وتخير خاصتهم وبطانتهم ، وخصوصا الحكام منهم ، فإن البطانة تكون خيرا إن حضت على الخير ، وتكون شرا إن حرضت على الشر ، والعميق النظر المدرك المتعقل فيما يفعل هو الذي يدرك الأخيار من الأشرار ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما روى البخاري : « ما بعث اللّه من نبي ، ولا استخلف من خليفة ، إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالخير ، وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر ، وتحثه عليه ، والمعصوم من عصمه اللّه » « 1 » . والآيات المراد بها تلك البينات التي ذكرها صفات وأحوالا لهؤلاء يعرفون بها ، وقد بينها اللّه للحكام إن كانوا يدركون الأمور بعقولهم لا بشهواتهم
--> ( 1 ) رواه البخاري : الأحكام - بطانة الإمام وأهل مشورته : البطانة : الدخلاء ( 6659 ) ، كما رواه النسائي : البيعة - بطانة الإمام ( 4131 ) ، وأحمد : مسند المكثرين ( 10914 ) ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .